في حزيران عام 2024، تخرجت، وكانت أول فكرة لي بعد خروجي من توزيع النتائج: “أريد جواز سفر”.
لم أكن أخطط للسفر، ولم أرتبط بعد بعمل يُطالبني بالسفر. بعد أسابيع، صرتُ أعمل، ولاحت احتمالية السفر منذ البداية.
أوّل مرة جواز
في تشرين الأول، فتحت موقع حجز الجواز الإلكتروني الساعة عشرة ونصف ليلاً، قرأت المطلوب مني، بطاقتي الموحدة، وبطاقة السكن، والالتزام بالموعد. كلها مهمات سهلة، لِذا حجزت موعداً.
يوم 14 من الشهر نفسه، أخذت ما طُلِب مني، وقررت أن أذهب وحدي، كنتُ سعيدة جداً بكوني “بالغة” و “خريجة” وأستطيع فعل ما أريد.
اللحظة الأولى التي دخلت فيها “جوازات البصرة”، لم يكن “تركي تلفونج” أو “خلي جنطتج بالتفتيش” هي أول ما سمعته.
“أبوج وين؟” سألني أحد الجنود (كان كبيراً بالسن) الموجودين في غرفة الاستعلامات، نظر لي كل الجنود والمواطنين، مثل كائن في غيرِ مكانه.
– جاية وحدي (مع ابتسامة كبيرة)
– شكد عمرج حتى تجين وحدج؟
– 23 سنة.
هز رأسه بأسف، وأسفت على نفسي أيضاً حينها، لا أعلم لماذا، لأنني 23 عاماً؟ لأنني فتاة؟ لأن أبي يعتبرني راشدة؟
دخلت لأخذ التذكرة، نظر لي الموظف العسكري “وين باقي العائلة؟” لأخبره من جديد “وحدي”، نظر لي باستنكار، لكنني على عكس عادتي، كنت أضحك بوجههم جميعاً.
كانت قضية ذات أهمية، مراجعة دائرة حكومية لوحدي للمرة الأولى.
انتظرت دوري، كل من حولي معهم أفراد عائلتهم، فقط أنا كنتُ أجلس وحدي، أنظر للشاشة بسعادة من ربح اليانصيب.
حين وصل دوري، كان الموظف رجلاً في الأربعينات، لا أعلم أين يقع على خط الأربعينات، لكن الأغلب أنه في منتصفها، لنسميه جمال.
جمال، ابتسم حين رآني، وكان سؤاله الأول أيضاً، “أبوج وين؟” لأشرح من جديد رحلتي بأكملها.

أخذ معلوماتي، وبصماتي، وصورتي، ومثل من يُخطط لجريمة، همس لي أن عليّ العودة لإحضار هوية والدي وإلا لن يكتمل جوازي، وأنه سيجمد المعاملة حتى عودتي.
بعد أشهر من هذا الحدث، سأسأل صديقتي المحامية إن كان إصدار الجواز يحتم عليّ إحضار هوية أبي، وستخبرني أنه نعم، إذا كنت تحت الـ 18، لكن بنت خالتها جددت جوازها وحدها.
بعد أشهر، سأعلم أن ذهابي وعودتي مع الهوية لم يكن مهماً، لم يكن مطلوباً حتى، لكنهم ببساطة لم يقتنعوا بعمري، المُثبت بالهوية، وبالسجل الحكومي، وبكل مكان، ولأنني وحدي، فما الذي يمنعهم من إرسالي لإحضار بطاقة أبي؟
عام 2023، أحصت مديرية الأحوال المدنية والجوازات والإقامة العامة، أنها أصدرت أكثر من مليون و300 ألف جوازاً عادياً، إضافة إلى ما يُقارب 300 ألف جواز إلكتروني .
أتساءل إن كان هناك ضمن كل هؤلاء نساء في مثل عمري اضطررن لإحضار بطاقات آبائهن لتأكيد أحقيتهن بالحصول على جواز.
حتى والدي كان مشوشاً من عودتي، ولم يفهم لماذا أحتاج لهويته الموحدة “يعني أنا رح أنطيج بطاقة السكن وأنا ما موافق؟”، سؤال منطقي، فكرت، اطرحه على موظفي الجوازات بابا!
بعد العودة، وإكمال الخطوة الأولى، أخبرني جمال بأنه عليّ العودة إليه بعد كل خطوة (سألت كل موظف بعدها إن كنت أحتاج فعلاً العودة لجمال، الجميع قال لا).
باعتزاز، أخبرني جمال أنه سيتصل بموظفي الطباعة، لأحصل على جوازي بسرعة. كنت أعلم، مثلما يعلم الجميع، أن طباعة الجواز وحصولي عليه بعد الدفع والتسليم لن تستغرق أكثر من 30 دقيقة، إذا تأخروا فقد تصل إلى 40 دقيقة.
باختصار، جمال لن يقدم لي أي فائدة، حتى لو “أخبرهم” أن يستعجلوا، سيبقى الوقت نفسه.
حصلت على جوازي بعد 30 دقيقة بالضبط، مثلي مثل كل من جلس بالقاعة معي.
عدت لجمال (لأنه أصر على ضرورة عودتي) مع الجواز، تفحصه ليتأكد أن كل شيء فيه صحيح، وبرشاقة، قدم لي ورقة مُقتطعة من وصل أحد المواطنين مع رقمه واسمه.
“خابريني بس تاخذين تلفونج من الحراس”، لم عساي أن أتصل يا جمال؟ لأني جئت وحدي، فمن المفترض أن أوافق؟
هززت رأسي، لأن جوازي بيده، لا داعٍ للمخاطرة، وأخذت الورقة، ورحلت.
اللحظة التي خرجت فيها من القاعة، رميت الورقة في سلة المهملات، واستعدت هاتفي، وذهبت.
كنتُ أعلم أن سفري قريب، وبالفعل، بداية كانون الأول، ذهبت للمطار.
أول مرة مطار
“دخلي بدون تفتيش”، أخبرني المسؤول عن تفتيش الحقائب في بوابة المطار. كان واضحاً أنه نعِس، مثلي، لم أنم من القلق. الساعة الثانية والنصف ليلاً، البصرة نائمة، لكنني أنا وكادر المطار، مُستيقظين.
كلما تقدمت خطوة أنا وسائق السيارة، سمعنا نفس السؤالين “عراقية؟” و “قاصر؟”، لأجيب مرة أخرى “أي، لا، عمري 23″، لينظر لي المُتحدث بشكّ، ثم يسمح لي بالعبور.
كانت المرة الأولى لي في مطار، أمسكتُ بجوازي كما لو أنه أهم شيء في الحياة، أهم مني حتى. عرض علي السائق النزول معي، وإيصال الحقائب للداخل، لأنه يعلم أنها المرة الأولى أيضاً.
في الداخل، سأل المُفتش الأول مرة أخرى “قاصر؟”، ولم يوجه الحديث لي، كان يسأل السائق، كان سؤاله للسائق بدلاً مني بحد ذاته دلالة على قصوري، وإن لم يكن بالعمر.
“لا، عمري 23 أستاذ”، أجبت قبل أن يتمكن السائق من الحديث. همهم الـ “أستاذ” وسألني إذا ما احتوت حقيبة كتفي على لابتوب، وحين أجبته نعم، طلب أن أخرجه.
لم يكن في كادر المطار نساء، لم تكن هناك امرأة تُفتشني، أو تُفتش حقائبي، كان الجميع رجالاً، كلهم كانوا واضحين في رغبتهم بالعودة للمنزل والنوم، لا تفتيش حقائبنا والسؤال عن أعمارنا.
لم أر صوراً للمطار يوماً، كنتُ أريد أن أحتفظ بالانطباع الأول للزيارة الأولى. لكنني لطالما تخيلته مكاناً كبيراً، من الممكن أن أتوه فيه وحدي، إن لم يُساعدني أحد.
مثل الأفلام، توقعت أن تكون الكابينة التي تتحقق من التذاكر كبيرة، وأن يكون صفاً طويلاً جداً من الكابينات والموظفين خلفها، الذين يتحققون من التذاكر بلا توقف، بلا تلكؤ. لكن الكابينات كانت مهجورة، ولم يكن هناك سوى اثنين وحيدين، كلاهما للخطوط الأردنية الملكية.
تجاوزت الخيبة الأولى، والختم الأول، قبل الموظف تأشيرة السفر خاصتي، وقدم لي رقم الحقيبة وأخذها. ثم مضيتُ للمحطة التالية.
وقف الجميع في صفٍ ينتظرون الموظف خلف الشباك ليسمح لهم بالدخول، سألتهم لماذا لا يقفون صفاً على جهاز الجواز الإلكتروني؟ “يمكن ما يشتغل، أوكفي هنا ويانا”.
ما يشتغل؟ لِم أمضيتُ 3 ساعات وأنا أعمل على استخراج هذا الجواز إذن؟ رفضتُ فكرة ألا يعمل، وذهبت للجهاز وقدمتُ جوازي هناك، وضعته ليقرأه، وقرأه.
جيد، انتهت المحاولة الأولى، الآن علينا أن نقنعه بقراءة التذكرة.
فشلت محاولاتي بإقناعه أن يقرأ التذكرة، رفضها الجهاز خمس مرات تقريباً. وبينما سار بعض الصف، وذهبوا للصالة، كنتُ مُصممة ألا أعبر حتى يقبلني جهاز القراءة الإلكتروني.
أخيراً، ظهر موظف من اللامكان، “شو أنطيني بالله”، وأخذ التذكرة، بلا “تفضل” مني. طوى جزءاً من التذكرة، ووضعها على القارئ، لكن القارئ سخر منه وقال “مرفوض”.
نظرت له، ومددت يدي لأخذ التذكرة. “شو بالله جربي أنتِ”، حلها، كما لو أن غيري كان يجرب في الخمس مرات الماضية. جربت مرة أخيرة، وهمست للقارئ “ترا عيب، الناس كلها تباوعلي، فشلتنا يمعود”.
سمعني الجهاز، أو لربما ملّ مني هو الآخر، لذا قال “يلا عبري عيني” وقرأ التذكرة، وطلب مني صورة أخيرة.
انتهت المحطة؟ لا.
ظهر ضابط من اللامكان أيضاً، “وين رايحة؟” سألني، وشعرت لوهلة أنه قبض عليّ بالجرم المشهود، أين سأذهب من المطار الذي لا رحلة لديه سوى الأردن؟ احزر يا حضرة الضابط!
أخبرته بالوجهة، وطلب معرفة إن كان لدي فيزا أو إقامة، أجبته: فيزا. لذا، مثل زميله، أخذ مني جوازي بخفة، وقدمه للموظف خلف الشباك (لماذا أمضيت 6 دقائق على القارئ إذا كنت سأعود للشباك إذن؟).
أخيراً، أخبروني أن أذهب لصالة الانتظار، وذهبت. كان المكان صامتاً، والجميع يشرب قهوة أو شاي وهو ينظر لقدميه. بدت الصالة صغيرة جداً.
لماذا تخدعنا الأفلام؟ لم تكن الصالة أكبر من حديقة بيت جدي، لعلّ حديقة جدي كانت أكبر حتى، وتوزعت محلات “السوق الحر” على الجوانب بضيق. متأكدة لو افتتحتُ سوقاً حرة في مطبخ بيتنا لكانت مريحة أكثر.
ما زالت الساعة 3:35 تقريباً، الطيارة ستقلع في الساعة 5:35. نظرياً، في رصيدي ساعتان. لكن لا، في تمام الساعة 4:15 طلب الجندي منا أن نتقدم لصالة المغادرة. من جديد عرضت الجواز والتذكرة، ودخلنا صالة المغادرة.
“دخلي دخلي”، أشار لي، لم يهتم لطنين الجهاز حين عبرت منه (كنتُ أرتدي قلادة وساعة إلكترونية)، واللابتوب الذي أخرجته أول مرة، طلب أن أبقيه هذه المرة.
شككت أن أحداً كان ينظر لمحتويات الحقائب، كانت تدخل الجهاز وتخرج منه كإجراء روتيني ممل.
“يلا نريد نمشيكم مدام عددكم شوية”، سمعت أحد الجنود يضحك مع مُسافر. والساعة المكتوبة على تذكرتي؟ لِم لا يلتزم أحد بالوقت المطبوع أبداً؟
في رحلة العودة بعد أسبوع، كان الضابط نفسه هناك، أتساءل إن كان يعرف كيف يبتسم، وهل ينزل حاجبه يوماً؟ أم يبقيه مرفوعاً هكذا؟
حتى “صباح النور” و”وعليكم السلام” عبارات تبدو كحمل ثقيل عليه، كان واضحاً أنه لا يريد صباح الخير لا مني ولا من غيري، لكنه مُجبر على ردها.
سألته إن كان الجهاز الإلكتروني يعمل، “جربي”. أجرب؟ أجرب، لِم لا؟
قرأ الجهاز جوازي، لكنهُ احتاج تقريباً 90 ثانية ليقتنع أن وجهي يؤهلني لدخول البصرة، إذ بقيتُ أنظر لعلامة التحميل وهي تدور وتدور وتدور، وتقرر إذا كانت العلامة القادمة خضراء و”عين غطا وعين فراش” أو حمراء و”أنتِ منين جاية؟”.
أول مرة قطار
بعد أسبوع من عودتي، سأحتاج الذهاب لبغداد، وسأقرر أن الذهاب بالقطار رحلة تستحق التجربة.
ذهبت مع أخي (18 عاماً) في آخر أسبوع من عام 2024 لمحطة القطار في البصرة، مسافرة وحيدة للمرة الثانية.
بعد أن نقطع التذاكر، علينا الانتظار في مكتب الاستخبارات، للتأكد من كوننا غير مُطاردين أمنياً.
الحقيقة، أحببت فكرة أن “الأمن” يدقق هويّات المسافرين والمسافرات، لكن الوقت الذي استغرقه الضابط وهو يقرأ هويتي وتذكرتي بدأ يقلقني، هل أنا مطلوبة بدون علمي؟
– أنتِ موظفة؟
* لا أستاذ
– شموديج لبغداد؟
* عندي شغل، أنا بشركة أهلية
– وجاية وحدج!
* أخوية برا
– ليش محيسافر وياج؟ أبوج يدري؟ شلون يخلونج تسافرين وحدج؟
* ماكو داعي، مو أول مرة
تنهد الضابط، لم يكن سعيداً بالأجوبة، وهمس لنفسه (أعلى همسة شهدتها) “كله غلط بغلط، شنو تسافر وحدها؟” ورمى لي تذكرتي وهويتي على الطاولة (كان يُسلمها باليد للمسافرين الرجال الذين سبقوني)، وختم لقاءنا الدافئ بـ “هاج هاج، روحي..”
أعلم أن احتمالية كوني “شاردة من أهلها” كانت على الطاولة، لكن وجود أخي في الخارج، من المفترض أن يفي بالغرض. يبدو أن وجوده لا يشفع لي كثيراً.
في القطار، بقيت خمس ساعات بمكاني، رأيت أحد الركاب بالمقطورة نفسها يأكل “الإندومي”، لذا تشجعت وسألت على مكان البائع، خصوصاً أن شحن هاتفي على وشك أن ينتهي، وأملت أن يكون لديه نقطة كهرباء.
لتخيل الطريق، أنا في عربة القطار الأولى، والمطعم، في عربة القطار الأخيرة، للوصول إلى هناك، كان عليّ عبور كل العربات بيننا، مع كل الرجال الذين حدقوا بي مع السؤال الذي لَمع في عينهم “هاي وين أهلها؟” (أو هذا ما ظننته).
في المطعم، لم أنتبه لِلموجودين، ركزتُ على الإندومي، وسألت صاحب المكان إن كان لديه نقطة كهرباء، فأخذ هاتفي ليشحنه.
بعد دقيقة أو أقل، سألني إن كنت وحدي، وحين عرِف، سألني لماذا؟ وقبل أن أجيب “بس لا تطلعين طالبة؟”
لم يستغرقه الأمر طويلاً لعرض خدماته مثل جمال في الجوازات بعد أن عرف أنني عزباء، وقال إنه سيحجز لي تذكرة العودة لأني “وحدي” وطلب رقم هاتفي، طلبت منه استعادة هاتفي (لأنك لا ترفض الأخرين وهم بحوزتهم أشياؤك).
فتحت سجل المكالمات، وأعطيته رقم الفندق وغيرت آخر أربع أرقام لأرقام عشوائية، وحين سأل عن اسمي، خرجت مني “ندى” بعفوية تامة. أتمنى أن الرقم الذي اتصل به لم يكن لندى فعلاً.
اتصل على الرقم، ونظر لهاتفي (الذي قلبته لجهتي، لأنني أعرف أنه سينتظر أن يرى رقمه). وسألته “هذا رقمك ديدك؟” وأجاب بنعم.
حينها، خلال خمس ثوانٍ، أدركت أنني الفتاة الوحيدة في المكان، وأدركت أن الأصوات بدأت تتلاشى (أو لعلّ ذعري منعني من سماعها)، وأن أغلب الحضور ينظرون لي بابتسامة، وهذا يشمل العسكريان بجانبي.
طلبت أن يعيد لي شاحن هاتفي المحمول، فاستغرب “ليش مو دنسولف؟”
وأجبته إنني مُرهقة وأريد النوم.
مشيت بسرعة، وأنا متيقظة لكل الأعين التي تلاحقني.
حين أستذكر الموقف مرة أخرى الآن، أعتقد أنني كنت أركض عملياً، لأن الوقت الذي استغرقته للعودة كان ربع الوقت الذي احتجته للذهاب.
قبل نهاية الرحلة بربع ساعة، ظهر جنديان من اللامكان، وطلبا رؤية هويتي -دوناً عن المسافرين جميعهم- وسألوني إن كنت طالبة، وإن لم أكن، فهل أنا موظفة حكومية؟ وإن لم أكن، فلماذا أذهب لبغداد وحدي؟
جدير بالذكر أن واحداً منهما اعتذر إليّ بعد نزولي من القطار، وسألني إن كنت بحاجة شيء.
كانت الخطة أن أعود بالقطار للبصرة فيما بعد، لكن “تريلة” (شاحنة) صدمته في اليوم التالي.
ما الذي تعلمته من هذه المغامرات الثلاث؟ أولاً، أن أقول إنني مخطوبة، ثانياً، أهلي ينتظرونني في المحطة أو المطار، ثالثاً، ألّا أبتسم، لأنها ليست إشارة لطف كما يبدو، بل دعوة للـ “ترقيم”.