البرج 716: كيف تحوّلت أحياء سكنية لبؤر سرطانية؟ 

تحقيق عن 20 مصاباً ومصابة بالسرطان في محلة 201 ببعقوبة، وخريطة توزيع إصابتهم ضمن منطقة البرج 716 التابع لشركة الاتصالات "آسيا سيل".. هل تُسبّب أبراج الموبايل السرطانات؟ وليش الناس تموت بس هنا؟ منطقة سكنية أخلاها برج وفرّق عائلاتها..

أحمد نجمأحمد نجم | 17 تشرين الأول 2024

في ذروة صيف 2023، كان أهالي محلة 201 بحي المفرق غرب بعقوبة، معتصمين في خيمة تحت برج اتصالات، نُصب هناك منذ 15 عاماً، فهم يعتقدون أنّه السبب في الإصابات السرطانية التي انتشرت في المحلة.  

التقارير الرسمية تتحدث عن أكثر من 20 إصابة بالسرطان، في ذلك الحي، وخريطة توزيع الإصابات هي ضمن منطقة البرج 716، التابع لشركة الاتصالات “آسيا سيل”.  

الحراك نجح في رفع البرج من المنطقة، بعد تشكيل لجان بيئية للتحقيق في مخالفات كثيرة اقترفتها شركة “آسيا سيل” خلال وبعد نصب البرج، تتعلق بمواصفات البرج، والطاقة الكهرومغناطيسية غير المؤينة التي يبثها في الحي السكني، وإضافة أطباق أخرى بعد الحصول على الموافقات الرسمية. 

يخوض الأهالي اليوم صراعاً مختلفاً داخل أروقة المحاكم؛ لإدانة الشركة وتحميلها مسؤولية التسبب بوفاة أكثر من 20 مريضاً بالسرطان، فيما يصارع المصابون الآخرون الموت، مثقلين بأعباء مالية عالية، يفرضها عليهم النظام الصحي، وغلاء العلاجات. 

يؤكد الباحثون والمختصون في مجالات الاتصالات والإشعاع والطب، أن الإثبات الجازم للعلاقة بين أبراج الاتصالات ومرض السرطان أمر صعب، لم تقرّه المؤسسات الأكاديمية والعلمية بشكل صريح، حتى اللحظة، رغم ذلك فإن إمكانية التسبب بالأورام السرطانية احتمال وارد، وغير مستبعد بحسب منظمة الصحة العالمية. 

الإصابات 

تعود قصة البرج المسرطن في حي المفرق إلى عام 2009، حين ثبتت جذوره في الأرض وأطلّ بهيكله الحديدي على الحي، ومنذ ذلك الحين بدأت معاناة أهل الحي، كما يقول ردام هلال، أبرز الممثلين لعوائل الضحايا، الذي يؤكد أن عدد الإصابات أكبر من الرقم المعلن بكثير. 

أولى تلك الإصابات بدأت عام 2011، وكانت لطفلتين شقيقتين (عمرهما 5 و7 سنوات)، أصيبتا بسرطان في الدماغ، الواحدة تلو الأخرى، وكانتا تسكنان أمام البرج. 

تواصل جمار مع خالد حسين، أحد أكثر المتضررين، فقد أصيب كلٌ من شقيقيه، خريسان (60 عاماً)، ووليد (47 عاماً)، بأورام سرطانية، وفارقا الحياة، بعد رحلة علاج طويلة ومنهكة، أُصيب خريسان عام 2019، بسرطان المستقيم، ولم تفلح محاولات العلاج المستمرة لأكثر من أربع سنوات والسفر للهند لغرض العلاج من انتشار المرض في الكبد والرئة، وانتهت رحلته بالموت نهاية عام 2022. 

قبيل وفاة خريسان كان شقيقه الآخر وليد، قد شُخّصت إصابته بسرطان الرئة، ولم يمهله المرض غير 7 أشهر فقط، ” جنت أركض بين هذا وهذا”، يقول خالد، وهو يسرد قصة بيعه لمنزل العائلة، وإنفاقه على رحلة علاج شقيقه الأول، التي تجاوزت 50 مليون دينار عراقي، “الابرة اشتريها بـ10 أوراق – 1000 دولار – كل 20 يوم”، فيما كلفت مراحل علاج خالد 17 مليون دينار تقريباً. 

سرطان العقارات 

تحوّل السرطان في الحي إلى ما يشبه قصص الأشباح، فالبيوت يتركها أصحابها، والمستأجرون يهربون من الحي تباعاً، وقد تباع بعض المنازل بأقلّ من ثمنها الحقيقي. 

يروي ردام قصة أحد أسوأ المنازل، ويقع بجوار البرج مباشرة، “بعد انتشار الإصابات ظل 5 سنوات تقريباً محد يأجره، وحاول صاحبه يبيعه بسعر أقل واشتراه شخص من خارج المنطقة، لان شاف سعره مناسب”، إلا أن المالك الجديد للمنزل اضطر بعد أشهر لبيعه بسعر أقل، إلى شخص آخر، ونجح الأخير في تأجيره لعائلة صغيرة جداً، شاب وفتاة متزوجان، سكنا فيه سنة واحدة، وأُصيبت الزوجة بورم سرطاني، ثم حصل عليه مؤجر آخر، وأُصيبت الزوجة أيضاً بالسرطان. 

رغم أنّ البرج قد جرى تفكيكه ونقله بعيداً قبل عام تقريباً، إلا أن الرعب والحذر لا يزال يستحوذ على نفوس الساكنين في الحي. 

بالنسبة لردام فهو يسكن في البلوك السكني الأكثر تضرراً، حيث يفوق عدد الإصابات السرطانية فيه عدد المنازل، أحصى بشكل مباشر منازل جيرانه البالغة 9 بيوت وتبين وجود 10 إصابات سرطانية فيها، 4 منها موزعة بالتساوي على بيتين، ويقع البلوك في الجهة المقابلة للبرج عمودياً ويفصله عنه شارع بعرض 10 أمتار فقط. 

اضطر ردام مثل الآخرين إلى استئجار بيت بعيد عن المنطقة، لعدة أشهر، قبل أن يقرر العودة مع إزالة البرج، وعودة العوائل الأخرى، وهو قرار اتخذته أُسر عدة أيضاً. 

الإصابتان: 10 و11 

بينما يمسك ردّام بيده ملفاً سميكاً من التقارير الطبية، وشهادات الوفاة لأهالي حي المفرق، لا ينسى الإصابة رقم 10 وهي زوجته، سافر معها برحلة علاجية إلى الهند، لوقف انتشار السرطان في جسدها، ثم عاد وسافر بها مرةً ثانية، وخلال المراجعات في المستشفى، عرض نفسه للفحوصات الطبية المتخصصة بالغدد، بعد أن اعتقد أنه مصاب بالتهاب ما، لكنّه تبين بعد الاختبارات أنّه سرطان الغدّة الدرقية. 

لم يخبر زوجته بالأمر، فقد كانت حالتها سيئة، وتخضع لعلاج إشعاعي، “لمن سويت عملية رفع الغدة كلت لزوجتي هذا ورم حميد والطبيب نصحني ارفعه”، وحتى كتابة هذا التحقيق ما يزال ردام يخفي على زوجته الحقيقة، خوفاً من أن يؤدي الخبر إلى انكسارها نفسياً، وهي لا تزال في رحلة علاجية طويلة. 

يقول ردام، “عندما عرضت صورة البرج على رئيس قسم الإشعاع في مستشفى فورتيس بالهند الدكتور امل روي شودري أخبرني بأنه على يقين من وجود علاقة بين البرج والإصابات السرطانية”، ويضيف، “لمن عرف عدد الإصابات بالمنطقة استغرب وصار متأكد أكثر”. 

في الرحلتين العلاجيتين للهند أنفق ردام أكثر من 36800 دولار، بالإضافة إلى التكاليف العلاجية الباهظة المستمرة حتى الآن داخل العراق. 

ليش الإصابات بس هنا 

في شهر آب 2023، أخذت احتجاجات الأهالي مدىً أوسع، عندما نصبوا خيمة للاعتصام في باب البرج، أصبحت مقصداً لوسائل الإعلام والجهات السياسية، خاصة وأنها تزامنت مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية، والتقى ممثلو الأهالي مع وزيري الصحة والاتصالات، ووصلت فرق من الوزارتين للكشف وتقييم الموقف بالإضافة لكشف مديرية البيئة في ديالى. 

لا يعرف الأهالي نتائج تلك التقارير، لكن مدير البيئة قال إن نسب الترددات أتت ضمن المعايير والمحددات البيئية. لكن قحطان الحلاق، وهو شقيق لإحدى المصابات، ويسكن قرب البرج، يسأل، “ليش الإصابات بس هنا؟ وكلما نبتعد عن البرج تقل؟”، ويذكر أيضاً أنّ الفرق البيئية سحبت عينات من التربة ومياه الشرب، وأكدت خلوها من أي تلوث. 

في تقرير مديرية بيئة ديالى الذي حصل عليه موقع جمّار، يذكر الفريق البيئي أنه أخذ عينات من مياه الشرب لغرض إخضاعها لفحوصات مختبرية، وذكر أنه سُيعلم الجهات المعنية بنتائج هذه الفحوصات لاحقاً. 

مصدر في دائرة البيئة، فضّل عدم ذكر اسمه، قال “إن الفحوصات لهذا البرج ولغيره جاءت طبيعية وضمن النسب المسموح بها”. الانطباع العام لدى الأهالي أن تواطئاً من نوع ما قد تمارسه جهات رسمية لغرض حماية شركة آسياسيل صاحبة البرج، وتجنيبها المسؤولية القانونية عن الأضرار التي تسببت بها. 

رفعت الشركة البرج على إثر الاحتجاجات، وهذا الأمر يزيد من الشكوك، ويعد تهرباً من المسؤولية كما يقول رعد الدهلكي، عضو البرلمان العراقي عن ديالى، وقال لجمّار إن البرج هو ” الأكثر إحداثاً للضرر في ديالى”.  

يتحدث الدهلكي عن فريق من وزارة الصحة، أجرى كشفاً موقعياً للمنطقة، بتوجيه من وزير الصحة، قبيل رفع البرج، وقدموا تقريراً بذلك، “لم يُسلّم التقرير لي لكني فهمت أن فيه إشارة واضحة لتقصير كبير وسوء استخدام”، يقول الدهلكي ذلك منتقداً تقصير إدارة المحافظة في متابعة ملف كهذا، يتعلّق بأرواح الناس. 

ويعتقد النائب بأن غاية شركة الاتصالات مادية من خلال تقليل عدد الابراج ومن دون العمل بالإجراءات الوقائية. 

إدانة شركة الاتصالات 

في تقرير مديرية البيئة في المحافظة، الذي حصل عليه جمّار، هناك اتهام واضح للشركة بارتكاب مخالفات قانونية في تنصيب واستخدام البرج، منها ما يتعلّق بإضافة العديد من الأطباق على البرج، خلافاً للتعليمات البيئية الخاصة بالوقاية من الأشعة الصادرة من أبراج الهواتف النقالة، ولكونها محطات أساسية، فإنّ إضافة الأطباق يتطلب الحصول على موافقات بيئية إضافية. 

كذلك يؤكد التقرير تحويل البرج إلى محطة رئيسية كبيرة تغذي أكثر من 37 برجاً آخر، بمدى يصل إلى عشرات الكيلومترات، بينما الموافقات التي حصلت عليها شركة آسياسيل تفترض أن يكون البرج من صنف “المحطة الصغيرة” من النوع “ج”، وفقاً لتعليمات رقم (1) لسنة 2010، الخاصة بالوقاية من الأشعة غير المؤينة الصادرة من أبراج الهواتف النقالة. 

بعد زيارة محافظ ديالى لخيمة الاعتصام، واطلاعه على الأوضاع المأساوية للمنطقة، وقراءة تقرير البيئة، قرر بشكل شخصي كسر باب البرج وإطفاء أجهزته بالكامل، لكن ما حصل لاحقاً لم يكن متوقعاً، عندما عادت قوة أمنية رسمية في مساء ذلك اليوم، وأعادت تشغيل البرج. 

يقول ردام إنّه تحدث مع مدير مكتب المحافظ هاتفياً أثناء وجود القوة، وأخبره مدير مكتب المحافظ بأنهم مضطرون لإعادة تشغيل البرج، لأن خدمات الاتصال توقفت بشكل كامل، أو ضعفت إلى درجة كبيرة في بعض المناطق.  

لكنّ ردام يضيف أنّ ضعف الاتصال تزامن مع مسيرة المشاركين في الزيارة الأربعينية، وتأثرت خدمة الاتصالات عبر آسياسيل ليس في بعقوبة فقط؛ بل وصل ضعف الاتصالات إلى ناحية بني سعد، وتبعد نحو 23 كم، يقول ردام إنّهم علموا لاحقاً بتضرر شبكات الاتصال في مدخل بغداد – ديالى (يبعد نحو 50 كم). 

أنواع الأبراج 

بحسب حمادي الفريجي، المهندس الاستشاري، فإن أبراج الاتصالات تتكون من نوعين من الهوائيات، الأولى مقطعيّة، وتكون عمودية الشكل، وتوضع ثلاثة منها في كل برج، كل منها يغطي 120 درجة لتعطي بمجموعها تغطية للهواتف المحمولة في جميع الاتجاهات المحيطة بالبرج، أما النوع الثاني من الهوائيات، تكون على شكل أطباق، وهي مختصة بتبادل المعلومات وإرسال الإشارات إلى الأبراج الأخرى. 

الفريجي يذكر أن التردد المسموح به في هوائيات الأطباق يتراوح بين 6-30 GHZ، وهي قيم عالية جداً وخطرة، بحسبه، فيما لو حصل خلل أثّر على اتجاه الطبق وجعله ينحرف للأسفل بدلاِ من البث باتجاه الأبراج الأخرى، الفريجي يرى ضرورة تقليل هذا النوع من الهوائيات في المناطق السكنية، تجنباً للضرر الذي قد تسببه. 

الفريجي عمل سابقاً، خبيراً قضائياً في مجال الاتصالات، يحدد العدد المنطقي للأطباق في كل برج بما لا يزيد عن خمسة أطباق، إذا كان البرج يمثل سيطرة (BTC)، وعدداً أقل إذا كان برج خلية فقط (BTS)، وأما عدد الأطباق المرتفع فهو يشير إلى تحوّل البرج إلى (Nodle)، أي برج يربط مجموعة أبراج أخرى، ويتبادل معها المعلومات بواسطة الأطباق، ويشير إلى أن ذلك يتطلب زيادة القدرة، لذلك هذا النوع من الأبراج يوضع خارج الأحياء السكنية، لتجنب الكوارث التي من الممكن أن يسببها للسكان. 

ويشير أيضاً إلى أن تحويل البرج من محطة إلى (Nodle)، أمراً يستلزم محاسبة الشركة، لأن الرخصة التي تُمنح للبرج تحدد مواصفاته وحجمه، ولا يُسمح بتغييرها، لأن ذلك يخالف القواعد والمحددات البيئية. 

قدرة هائلة 

بالعودة إلى برج حي المفرق، الذي ذكر تقرير مديرية البيئة أنه يغذي 37 برجاً آخر، واعتبر ذلك مخالفة، وجه على إثرها انذاراً للشركة، بإزالة المخالفات خلال 10 أيام، حصل جمار على صورة للبرج، التقطت قبل إزالته بأسابيع قليلة، يظهر فيها وهو محمّل بأكثر من عشرين طبقاً، وذكر لنا الأهالي أن الصورة التقطت بعد أن انخفض عدد الأطباق.  

الكتاب الموجه من دائرة البيئة الى شركة آسياسيل والذي يثبت ارتكابها مخالفات بإضافة اطباق من دون موافقة بيئية، صورة للبرج التقطها أحد أهالي المنطقة قبيل رفعه وكان يضم حوالي 20 هوائياً. 

يقول الدكتور رعد صبحي، الأستاذ في هندسة الاتصالات، “إن وجود أكثر من عشرين طبقاً داحل حي سكني معناها قدرة هائلة داخل الحي، وهذه مخالفة واضحة”، ويوضح أن الأطباق وإن كانت موجهة للأبراج الأخرى وليس للأرض إلا أن بثها ليس خطاً أفقياً مثل الليزر، “وإنما يكون بشكل شبه لولبي وتنتشر داخل الأحياء”، ينبه أيضاً إلى وجود قدرة راجعة تعود للهوائي ينبغي احتساب دورها. 

يحذر صبحي من التردد العالي لهذه الاطباق، “اذا افترضنا أن التردد 30 GHZ، فإن ذلك يعني وجود ثلاثين ألف مليون ذبذبة بالثانية الواحدة، الطول الموجي لكل منها مقارب لحجم خلية الإنسان، وبالتالي تزداد إمكانية التفاعل مع جسم الإنسان”. 

ورغم ذلك فإنه يرى أن علاقة الترددات العالية بالسرطان غير مثبتة بشكل نهائي، لكنها ممكنة، “خاصة ما بعد الجيل الرابع لأن الترددات أصبحت عالية جداً”. 

هل أجهزة القياس دقيقة؟ 

أقرّ القانون العراقي الحد الأعلى لكثافة القدرة الصادرة عن أبراج الاتصالات (0.4 mw/cm2)، وهذه هي القيمة التي أكدت دائرة البيئة لجمّار، عدم تجاوزها في جميع أبراج الاتصالات في المحافظة، عند قياسها بجهاز دائرة البيئة (SRM 3006)، من دون أن تكشف الدائرة عن القيم التي توصلت إليها نتيجة القياسات الميدانية حتى في تقريرها الذي الخاص ببرج المفرق. 

لكن دراسة تقدم بها الباحث مروان عبد ابراهيم لنيل شهادة الماجستير عام 2017، وحصلت عليها جمار، بعنوان “تحليل التباين المكاني للآثار الصحية والاقتصادية لاستخدام الهواتف النقالة وأبراجها في مدينة بعقوبة”، والتي أجرى فيها الباحث برفقة كادر هندسي متخصص من دائرة البيئة ذاتها قياساً لكميات الأشعة في مختلف أحياء بعقوبة، حملت حقائق أخرى. 

وجد الباحث أن أعلى قيمة لطاقة الأشعة الصادرة من أبراج الهواتف النقالة في بعقوبة، كانت من البرج الذي يعترض عليه الأهالي في حي المفرق، وبقيمة بلغت (0.005 mw/cm2)، ويعلل سبب الارتفاع في هذه القيمة إلى الكثافة السكانية للحي.  

رغم ذلك فإن القيمة التي استخرجها الباحث، مستعيناً بجهاز دائرة البيئة نفسه تبقى أقل من الحد الأعلى للقيمة المعيارية المحددة بيئياً والبالغة (0.4 mw/cm2)، ولكن التفاوت بين القيمتين كبير جداً إذ أن القيمة التي توصل إليها الباحث أقل بنحو 80 مرة من القيمة المعيارية، مما ولد تساؤلاً جديداً حول دقّة القراءات الصادرة من الجهاز. 

(0.005 mw/cm2) هي نسبة مستحيلة التحقق بحسب المهندس حمادي الفريجي، إذ يرى أن نسبة كهذه يمكن أن تظهر بعد إطفاء منظومة البرج بفترة زمنية، ولكنها مستحيلة عند تشغيل البرج. 

يعزو الفريجي هذا التفاوت الحاد جداً إلى قدم الأجهزة المستخدمة في القياس، وعدم الاعتماد على أجهزة أحدث، فالجهاز (SRM 3006) المعتمد رسمياً للقياس في مديرية البيئة، هو جهاز قديم لا يعطي قياسات مباشرة، وإنما يعطي مخططات يعاد تنظيمها وحسابها عبر جهاز الحاسوب، وفيها هامش من التدخل البشري لإدخال القيم الكثيرة جداً، التي تظهر في المخطط، وإجراء الحسابات اللازمة لمعرفة كثافة القدرة. رغم ذلك فالجهاز ولكونه معتمداً رسمياً من مؤسسات الدولة، فهو معتمد قضائياً كذلك. 

موقع البرج بعد حوالي عام من رفعه من محلة 201 بحي المفرق غرب بعقوبة – ديالى (تصوير الكاتب) 

الشكاوى  

وفقاً لعبد الله الحيالي، قائممقام بعقوبة، فإنّ مركز مدينة بعقوبة وحده فيه ما بين 40 – 50 برجاً للاتصالات، داخل الأحياء السكنية، يُغرى أصحاب المنازل أو الأراضي ببعض الامتيازات المالية مقابل توقيع عقود لنصب الأبراج على سطوح منازلهم أو في أرضيهم. 

ويضيف لجمّار أن الأبراج صارت تشكل هاجساً لدى المواطنين بعد ما حصل في حي المفرق، وأحياء أخرى، “قبل أيام حاولت شركة زين نصب برج جديد غرب بعقوبة ورفض الأهالي ذلك ومنعوهم”. 

تواصل جمّار مع عدد من أصحاب المنازل والأراضي الذين وافقوا على تأجير سطوح منازلهم وأراضيهم لنصب أبراج الاتصالات، وكشفوا أن شركات الاتصالات تعرض عليهم وضع البرج على أسطح المنازل، مقابل دفع إيجار شهري لأصحاب المنازل قدره 500 دولار أمريكي، مع خط مجاني من المولد الكهربائي الخاص بالبرج. 

وفي حال كان البرج أرضياً فيكون الإيجار الشهري نحو 800 دولار، مع خط كهرباء مجاني، بالإضافة لكون البرج من هذا النوع يوظف له 3 حراس، براتب 200 دولار تقريباً، وقد يكون أحدهم أو جميعهم من عائلة صاحب الأرض.  

يشكك الحيالي بوجود إجراءات احترازية ووقائية في نصب الأبراج، “الأطباء والخبراء أخبروني بأن زيادة الأطباق والمرسلات قد يكون لها دور في الإصابات السرطانية، لذلك طلبت من هيئة الإعلام والاتصالات تشكيل لجنة للتقييم”. 

ليس في حي المفرق وحده توجد الشكاوى، فنحو 12 شكوى مماثلة على أبراج أخرى في المحافظة، بحسب مصدر مسؤول في دائرة البيئة، حيث أكد أن الشكاوى شملت أبراجاً متعددة، ومن مختلف شركات الاتصالات. 

أحد تلك الأبراج يقع في قرية الخويلص، جنوب غرب قضاء الخالص، على الطريق الرابط بين بغداد وكركوك، ويعود لشركة كورك، يقول أبو بنين، مختار القرية بأن عدد الإصابات السرطانية بلغ 42 إصابة، منها 20 حالة انتهت بالوفاة، وجميعها تسكن على مسافة أقل من 300 متر عن البرج. 

وتتشابه قصة البرجين وسلسلة الأحداث التي حصلت في صراعهما مع شركات الاتصالات، غير أن المتضررين في الخويلص والذين بدأوا احتجاجهم منذ عام 2012، قد خسروا الدعوى القضائية المرفوعة ضد الشركة لاحقاً، واضطروا لانتظار انتهاء العقد بين الشركة وصاحب الأرض، لكنهم فوجئوا بتجديد العقد، لتندلع احتجاجاتهم مجدداً. 

أسفرت الاحتجاجات عن إطفاء البرج بالقوة، ومنع تشغيله، رغم تدخلات المسؤولين التي يعتقد الأهالي أنهم متواطئون مع الشركة، على حساب الضحايا، “طردنا المسؤولين لان احنه ميتين ميتين” يقول عبد الهادي علوش، الذي خسر والديه نتيجة السرطان، والدته أُصيبت عام 2011، وتوفيت عام 2013، ثم أُصيب والده عام 2019، وتوفي عام 2021. 

الأهالي في حي المفرق وقرية الخويلص تحدثوا عن تحذيرات تتعلق بخطورة السكن جوار الأبراج أطلقها موظفو دائرة البيئة شفهياً، أثناء إجراء الكشف الميداني، لكنهم امتنعوا عن تدوينها في التقارير الرسمية، الأمر الذي زاد من قناعة الأهالي بوجود تواطؤ لصالح الشركات، وغياب الشفافية في التقارير الرسمية. 

ما تزال الدعاوى القضائية التي رفعها السكان ضد الشركة تسير ببطء، لكنهم يصروّن على خوض المعركة حتى النهاية، رغم إدراكهم للنفوذ الكبير الذي تملكه شركات الاتصال. 

خلال مراحل العمل على هذا التحقيق، كانت شركة “آسياسيل” تحاول نصب برج جديد في حي المفرق، يبعد عن موقع البرج السابق 300 متر فقط، وهذا تحدٍّ جديد، قرر ردام وجيرانه مواجهته مجدداً، لكنّهم لم يستطيعوا منع الشركة من نصبه، وهو الآن قائم فوق إحدى البنايات في الحي، رغم تقديم شكوى رسمية، من قبل الأهالي.